فخر الدين الرازي
255
المطالب العالية من العلم الإلهي
الفصل الأول في حكاية قول من يقول العلم الضروري حاصل بكون العبد موجدا - قد نقلنا في أول المسألة : أن « أبا الحسين » يدعي العلم الضروري بأن العبد موجد لأفعال نفسه - واحتجوا على أن العلم الضروري حاصل بذلك بوجوه ثلاثة : الأول : إن كل عاقل يعلم من نفسه : أن وقوع تصرفاته موقوف على دواعيه [ ولولا دواعيه « 1 » ] لما وقع شيء منها . فمتى اشتد به الجوع ، وكان تناول الطعام ممكنا ، فإنه يصدر منه تناول الطعام . ومتى اعتقد أن [ في « 2 » ] الطعام سما ، ينصرف عنه . وكذلك يعلم من غيره من العقلاء ، الذي أحوالهم سليمة : أنه يجب وقوع أفعالهم بحسب دواعيهم . فإن الولد العاقل السليم إذا علم ما له من المنفعة في شرب الماء ، حال شدة عطشه ، ولم يمنعه منه مانع ، فإنه يصدر منه الشرب ، لا محالة . ومتى علم ما له من المضرة في دخول النار ، فإنه لا يدخل فيها . وإذا كان معنى الموجد للشيء : هو الذي يحدث منه الفعل ، موافقا لدواعيه ، ثبت أن العقلاء قد يعرفون « 3 » ببدائه عقولهم كون العبد كذلك . علمنا : أن علمهم بكون العبيد محدثين لتصرفاتهم : علم ضروري .
--> ( 1 ) من ( ط ، ل ) . ( 2 ) سقط ( م ) . ( 3 ) يعرف في بداية عقولهم ( م ) .